أحمد بن حجر الهيتمي المكي
130
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
- وإما أن التشبيه راجع للمصلي ؛ أي : أعطني ثوابا على صلاتي على النبي صلى اللّه عليه وسلم مثل ثواب المصلي على إبراهيم ، وفيه من البعد والتكلف ما لا يخفى . - وإما أن التشبيه بالأعلى غير مطرد ، بل قد يكون بالأدون ، كما في قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ وأين يقع نورها من نوره تعالى ؟ ! ولكن لمّا كان المراد ثمّ الظهور والوضوح للسامع . . حسن تشبيه النور بالمشكاة ، وكذا هنا لمّا كان تعظيم إبراهيم وآله مشهورا عند سائر الطوائف . . حسن أن يطلب لمحمد وآله مثل ذلك ، ويؤيده قوله في خبر مسلم وغيره : « في العالمين » عقب ذكر آل إبراهيم دون آل محمد « 1 » ؛ أي : كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وآله في العالمين ، فالتشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر ، لا من باب إلحاق ناقص بكامل . - وإما أن سببه أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم من آل إبراهيم صلّى اللّه على نبينا وعليه وسلّم ، كما صح عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، فكأنه أمرنا أن نصلّي على محمد وآله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآله عموما ، فيحصل لآل محمد صلى اللّه عليه وسلم ما يليق بهم ، ويبقى الباقي كله له ، وهو أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا ، فحينئذ ظهرت فائدة التشبيه ، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ . - وإما أن المراد ب ( اللّهم صلّ على محمد ) : اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين ، ( كما صليت على إبراهيم ) بأن جعلت في آله أنبياء يخبرون بالمغيّبات ، ( وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ) بما أعطيتهم من التشريع والوحي ، فأعطاهم التحديث ؛ فمنهم محدّثون - بفتح الدال - وشرع لهم الاجتهاد ، وقرره حكما شرعيّا ، فأشبهوا الأنبياء في ذلك ، وفيه من البعد ما لا يخفى .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 405 ) ، وابن حبان ( 1958 ) .